المشاركات

إطار النظارة

     كُسرت نظارتي وكان هذا الحدث حديث الشارع (شارعي أنا طبعًا)، ليس لأهمية الحدث بل لأن لساني لا يعرف الصمت، لم أذكر يومًا أن حدثًا حصل معي ولم أتكلم معه، من أكبر الأحداث سواء أدمت قلبي حزنًا أم حتى تلك التي جعلت قدماي ترقصان دون إذنٍ أو تفكير إلى أصغر حدث كسقوطي عن الدرج مثلا الشهر الفائت، لا سرّ شخصي يبقى في جعبتي لذلك أنا المثال الحقيقي لجملة "والله إنها لكتاب مفتوح، تدرك أوله وآخره"، يبدو أنني أسهبت في شرح مدى عمق صمتي وكيف أنني شخصٌ كتوم حقًا وهذا رائع جدًا فيجب على الإنسان أن يكون كتومًا في النهاية، بل لنقل فرضًا كما أفعل أنا الآن وللأبد.      في بداية اليوم استيقظت لأبدل إطار النظارة للحفاظ على العدسات القيمة، لن أتحدث عن مدى حزني في تغييره لأن جميع من عرفني عرف تميّز هذا الإطار في تفاصيله وجماله، حاولت مقاومة البؤس في تبديله وشرعنا في البحث عن بديل، أخرج لنا الطبيب ٣ إطارات جديدة تناسب العدسات ولكن عيني ما انفكت تنظر إليه، ليس لجماله بالطبع لكنه كان يشبه نظارة أبي، رأيت الأجمل منه والأرق لكن عقلي ما زال هناك، دخلنا إلى المكان الثاني والثالث لكن تفكيري هناك، هو غير جمي

ثلاثة أشهر...

 مر من الوقت ثلاثة أشهر منهن عيدان وخمسة إفطارات ودهر من البكاء، ما زلت أشعر أنه سافر وسيعود يومًا ما، تأخر قليلًا لا بأس فليستمتع قليلًا، بالنهاية سيعود مهما استمرت رحلته، رحلة عمر بأكمله، حياة بطولها وعرضها ستستمر وهو مسافر، مرت الأشهر الثلاثة وكأن الأمر مجرد كابوس، سأستيقظ اليوم لأراه جالسًا مكانه ممسكًا هاتفه يقلب موقع الفيس بوك ويشاهد المقاطع المصورة بأعلى صوت، لكن شيئًا من هذا لن يحدث، الكابوس الذي نعيش فيه هو بالنهاية حقيقي وأستغفر الله إن كان وصف هذا المشهد من حياتنا بالكابوس يعد إثمًا، مع أنني زرت القبر ولم أبك بالقدر الذي ظننت أن هذا قد يخفف، كنت مرتدية (روب التخرج) وواضعة مساحيق التجميل، كنت أريده أن يراني بأبهى حلة كما كان يراني دائمًا بتلك السعادة وذلك الجنون، لم أرد أن أزعجه ببكائي لأنني أعلم كم يحبنا سعداء، حاولت جاهدة لكن الأمر لم ينجح، ما زلت أراه يشرب الماء، يطلب القهوة ويخرج إلى الشارع، وما زلت أشعر أنه مسافر، مسافرٌ سعيدٌ جدًا، بابتسامة جميلة ومريحة وساحرة، مسافرٌ سيعود يومًا إلى منزله وإلى مقعده وهاتفه، لكن بالنهاية ومهما تراءت لنا الصور والمخيلات إلّا أنه وصل إلى

الغزالة تخرجت...

 اليوم كان اليوم الفاصل في مسيرتي، استلمت شهادتي التي تعلن حصولي على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، هذه أنا بتول إبراهيم خليل الشيخ سالم ابنة تلك المرأة الصبورة والجبارة، تلك المرأة التي وقفت أمام النار محترقة ورغم اشتعالها وحاجتها للماء كانت تمدنا بالثلج والبَرَد وتنسى نفسها، نفسها هي من خرجت في مسيرات ضد العدو في صباها دون علم أهلها لم يمر يوم في مسيرتي الجامعية أنا ورؤى إلا وأجبرتنا على الاتصال بها عند ركوب الحافلة وعند الدخول إلى الجامعة، لست هنا لأُشيد بأعمال أمي فكل أمٍ هي بعين صغارها بطلة، وكل أبٍ هو المعجزة في حياة أطفاله، استلمت الشهادة التي كتب عليها "بتول إبراهيم" وكنت تلك الغزالة التي تركض في البراري، ذلك العنفوان والصوت الشادي والفرح، أرأيت غزالًا يرقص في حياتك؟ تلك الغزالة كانت أنا، الأرض لم تحملني، استلمتها وبكيت، ولا زلت أبكي إلى الآن، تلك الورقة هي أنا، بتعبها وظلمها وقهرها ودموعها، بفرحها وسعادتها وحبها وجنونها، بسخافتها ورزانتها، بقوتها وضعفها، غادرت الجامعة إلى منزلي حاملة معي نفسي، توقفت الحافلة عند المحطة المنشودة، نزلت، مشيت بسعادة، وصلت أول

لا عنوان إلى الآن...

 بدأت بقراءة رواية رأيت رام الله لكني لم أستطع كتابة أي شيء عن أول فصل، لا مشاعري اتجاهها ولا رؤيتي، رغم أن الموضوع يمسني أنا بالتحديد لمروري بتجربة الجسر لكن لم أستطع، كنت مشغولة الذهن مكدرة، أظن أنني من البداية قرأتها لأنشغل، لئلّا أفكر كثيرًا مع ذلك لم أكف عن التفكير، في كل جملة كان يظهر أبي، ألقيتها بعد أن أنهيت الفصل الأول وذهبت لمشاهدة أي شيء، لقد أيقنت أن البكاءة بتول ستتوقف عن البكاء على هذه المشاهد الدرامية في الروايات والمسلسلات والأفلام، كنت أخاف من مشاهد الموت وأهابها، أخاف أن تحدث لأحد أحبائي، كنت أبكي خوف الفقدان، لكن الآن حصل ما كنت أبكي قديمًا من أجله فلماذا أبكي إذا؟ مشهد الموت الذي حصل بالمسلسل الذي شاهدته كان عاديًا، يا إلهي كيف أقول عن مشهد وفاة أنه عادي، إن الأمر مقلق جدًا، توتر كبير اتجاه نفسي ولا أعرف كيف أتمالك مشاعري وأحاسيسي، لكن ماذا سأتوقع من نفسي أنا التي شهدت موت والدي، أنا التي وقفت فوق رأسه وحدثته إلى أن أتت سيارة الإسعاف بعد ٣ قرون من طلبها، مع مسعف شابٍ نحيل ونقالة لا تتسع لسما ابنة عمي البالغة من العمر ٣ سنوات -حماها الله طبعًا وأبعدها هي وكل ما أحب ع

لماذا تلك السيدة؟

 اليوم حلقة لماذا مع منى حوى كانت عن الحكومات وعن العنعنة، كنت مستغرقة بالتركيز لا بكلامها بل بنبرة الصوت التي تشبه نبرة صوت امرأة لا أحبها، أو لو أردنا تفصيل الكلام أكثر فهي امرأة كنت احبها وبت الآن اكرهها وأمقتها، ذلك الاندفاع في صوتها، مقتها وعنفوانها وحتى نبرة غضبها، كانت هي بجسد منى حوا، لكن لا بالطبع لن تشبه منى فمنى ساخطة أكثر، أو أنا أريد لمنى أن تكون ساخطة أكثر لأنفي كل جميل عن تلك السيدة، تلك السيدة التي تتأرجح مكانتها باستمرار، تارة تتخذ ذلك الشق المظلم الذي أكره وجودها فيه فأضعها بالأقل ظلمة وتارة تعود لمكانها السابق مع رغبتي بوجودها بتلك الزاوية الحالكة الأشد رعبًا في قلب أي إنسان - أو على الأقل في قلبي-، تلك السيدة التي أخذت عنها ومنها ومدحتها هي الآن التي اسخط عليها لا لنفسي المضطربة بل لأفعالها ومواقفها المتأرجحة، أو لا ليس هذا هو الوصف الدقيق لما كانت تفعله، أظن أن أفعالها رغم جرأتها -وهذا من المآخذ الإيجابية لها- إلا أنها كانت تحب المديح رغم حديثها يومًا بأنها لا تحبه وتمقته جدًا ولا تلتفت له كأنه لا شيء، كانت ذلك الراعي الذي يمسك عصًى وأمامه قطيعٌ من ماعز وأبقار وخرا

الأجنحة المتكسرة

   كنت أشعر بالسوء لأنني وصلت لسن الواحد والعشرين ولم أقرأ شيئًا لجبران خليل جبران وأن كتاب الأجنحة المنكسرة أمامي دائمًا ولم ألمسه قط، ولا أعرف شيئًا لجبران إلا قصيدته التي غنتها فيروز والتي في مطلعها:"أعطني الناي وغني"، وقصيدة أخرى قرأناها في كتاب القضايا الأدبية في المرحلة الثانوية.    يتأرجح الكتاب ما بين الملل والتلهف، مليء بحشو التشبيهات، تشبيهات مبالغ بها، فقرات من التشبيهات التي أخذت من جودة الكتاب ولم تضف، لو حذفناها لما تأثر في شيء، وهذا ما أثّر على قرائتي وزاد مللي، لكن لو أردت نقده على ما لُقّنا في محاضرات النقد الحديث لقلت أن الكتاب فيه تلك العاطفة القوية ومليء بالتشبيهات الابتكارية عدا عن أنها منسجمة جدًا نسّق مخيلة القارئ وجعله يعيش داخل النص الأدبي فكانت عمق الصور وقيمتها حقيقيًا، بعض المقاطع التي كان يحاول فيها الحديث عن المرأة لو كتبها الآن على تويتر لضج الموقع بالشتائم عليه، لأصبح "#جبران_يهين_المرأة" ترندًا على الموقع لأن المرأة قوية وليست ضعيفة ويإسهاب كبير في الطرح والشرح فنحمد الله أن المكتوب ليس ع تويتر وهو موجود فقط في كتاب.    لن أنكر أنني

نقص ينتظر الإتمام

 بدأت بقراءة رواية الطنطورية لرضوى عاشور اليوم، قلبي انقبض وأحسست بثقل شديد وأنا أقرأ، أمنع نفسي من البكاء وداخلي يلعن الاحتلال الذي حرمنا من بحرنا، لا أعرف ماذا ينتظرني في هذه الرواية لأنني ما زلت في بدايتها لكنني أشعر أنني أريد بحرًا الآن، أريد أن تُدفن قدماي في رمل البحر، أن تصفعني الأمواج وأنا جالسة أمامه أتأمل صوت ضربات أمواجه، وداخلي يصرخ أريد أن أحضر فراشًا وأنام هنا، بردائي الأزرق الفاتح وحجابي الأبيض ولا ضير بوجود قبعة على رأسي، أتخيل نفسي دائمًا وأنا جالسة على سور عكا، أمامي البحر وصوت نسوة يصرخن ورائي على أولادهن وأنا لا أكترث، أمشي الهوينة على سلمٍ من حجر لأصل إلى الوجهه المنشودة، بيني وبينه بضعة أمتار يضمني فيهم الهواء كالأم حين تضم وليدها، توصلني إلى ذلك الشيء الأزرق لنصبح شيئًا واحدًا لا ينفكان.