كيف ينام المرء؟

   دائما ما كان يتبادر بعد كل إنجاز سؤال بعنوان (كيف ينام المرء بعد....)، لكن سؤالي اليوم مختلف، كيف ينام المرء بعد أن فقد عزيزًا؟ كيف ينام المرء بعد أن أصبح جوفه باردًا؟ كيف يعتاد المرء على فقدان إنسان كان في وقت ما جزءًا أساسيًا ومباشرًا في يومه؟ 

أظن أنه لا ينام، يهده البكاء فقط، هذا السائل الساخن الذي يخرج من الجوف يهدّه لأيام، أيام طويلة لا حصر لها.

   في مكان بارد وموحش يتوارى جسده الحنون، هو بالنسبة لي موحش لكنه جنة له في الأرض -وأقولها بثقة لأنني أعرف أن الله لن يخيّب ظن عبده به-، يظن الواحد منّا انه اعتاد على الفقد فأصبح الأمر بديهيًا عاديًا لا يذكر، وماذا يعني أن يفقد المرء أحد أحبابه، طلبه الله وأخذه، أُعيد إلى مالكه، يظن بذلك أنه سيشفى، يعيش ويعيش لتكسره الحياة مرة واحدة فقط ويعرف أنه لم يعتد على هذا الفقد ولن يعتاد عليه، وستعيده الذكرى لآخر مرة رأى فيه الحبيب، آخر قبلة وداع، إلى ذلك العتاب الذي يُحدث النفس بأنني أخاصمه لأنه غادر ولا أريد الحديث معه مع أنني اصلا الآن لا أتحدث معه لاستحالة وجوده، ليعيش نفس شعور أول ليلة فقد، يرى فيها ذلك الإنسان الذي عاش معه حياة كاملة يخرج من الباب ولا يعود، بقيت بصماته على مقبض الباب، حذاء المسجد والعكازة والباقي ذرّته الرياح، رياح شرقية محملة بالمحبة والشوق والدعاء. 


   قد تكون الأمنية المستحيلة في هذا اليوم وفي كل يوم ألّا يفقد أحد أحبابه، أن يعود كل أب وأم إلى أطفالهم، أن تبقى العوائل مُحتضنة دافئة.  


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسائل قد لا تصل ٢

أين المراسل؟